مؤلف مجهول ( تعريب : محمد سعيد جمال الدين )
211
أخبار سلاجقة الروم ( ترجمة مختصر سلجوقنامه )
ذكر فرار طليعة خورازمشاه للمرة الثالثة من طلائع السلطان وفي اليوم التّالي حين قبّل فلك النّجوم - كعادة العبيد - أعتاب ملك العالم ، ظهرت الأعلام الحمراء والصفراء في آفاق الميدان برفقة أولئك الجند من تماسيح القتال ، فتحرّك الحشد كله ، بينما ركب السلطان / الفاتح حصانا يشبه مسيره مسير ريح الصّبا في تلك السّهول الرّائعة ، وقد أثّر حرّ الهاجرة في أنصار العساكر المهاجرة ، وأخذت نفوس الشّجعان تجفّ في الحلوق ، فانطلقوا جميعا إلى المناهل والعيون ، والأنهار الجارية في تلك المروج . أما السلطان فإنه لم يلتفت إلى المياه والجيش - لنيّة قد عقدها في نفسه ولأنه قد روي إلى الأبد بشربة « أبيت » « 1 » ، وإنّما صعد فوق جبل هو أعلى من همّة الأسخياء وقامة الحسناء ، وجال بنظره هنا وهناك ، فرأى الصحراء والوديان مشحونة كلها بجند العدوّ وكانوا قد نصبوا خياما في خيام ، وتزاحموا تزاحم النّمل والجراد . فهجم عليه جماعة من شجعان الحرب ، فخرج إليهم نحو ألف فارس منهم ، وبدأت حركة هائلة من الكرّ والفرّ ، ولو لم تحجب أستار الظّلام بينهم لما بقي أحد من الجانبين حيّا . وعادت كل فرقة إلى موقعها . وظلّوا طوال الليل في التدبير والترتيب للمقارعة والنزاع وتثقيف اليراع ، والرّهف لتحقيق إرهاق شعاع [ الحسام ] « 2 » ، وقضى السلطان عظيم الشّان في تلك الليلة وطرا ، وبعد تجديد الغسل ، دخل في صلاة يناجي ذا الجلال ، وأخذ يدعو ب « يا » بلغة بغير لسان في خلوة القرب اللامكاني ويطلب المدد .
--> ( 1 ) إشارة إلى الحديث النبوي : « إنّي أبيت يطعمني ربي ويسقيني » عن أبي هريرة . انظر البخاري مثلا ، باب الاعتصام ، طبعة دار الشعب ، مصر ، 9 : 119 . ( 2 ) ورهف : رقّق وحدّد ، والرّهق : من معانيها التعجيل .